ابن تيمية

86

مجموعة الفتاوى

نَصَبِك } . وَإِذَا رَجَعَ الْحَاجُّ إلَى دويرة أَهْلِهِ فَأَنْشَأَ مِنْهَا الْعُمْرَةَ أَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ أَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِهِ وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَهُنَا قَدْ أَتَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِن النسكين مِنْ دويرة أَهْلِهِ . وَهَذَا أَتَى بِهِمَا عَلَى الْكَمَالِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا إذَا أَفْرَدَ الْحَجَّ وَاعْتَمَرَ عَقِبَ ذَلِكَ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ فَهَذَا الْإِفْرَادُ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ بَلْ وَلَا غَيْرِهِمْ . كَيْفَ يَكُونُ هُوَ الْأَفْضَلُ مِمَّا فَعَلُوهُ مَعَهُ بِأَمْرِهِ ؟ بَلْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ أَحَداً اعْتَمَرَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَائِشَةَ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ؛ بَلْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد . وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا مُتْعَةٌ . وَتُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي ذِي الْحَجَّةِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إذَا حَجَّتْ صَبَرَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ ثُمَّ تُحْرِمُ مِن الجُحْفَةِ فَلَمْ تَكُنْ تَعْتَمِرُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ وَلَا فِي ذِي الْحِجَّةِ . وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النسكين بِسَفْرَةِ وَاحِدَةٍ وَقَدِمَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ . فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن الحِلِّ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ